عبد القادر الجيلاني

144

فتوح الغيب

المقالة الرّابعة والعشرون في الحثّ على ملازمة باب اللّه تعالى احذر معصية اللّه عزّ وجلّ جدّا ، والزم بابه حقّا ، وابذل طوقك وجهدك في طاعته معتذرا متضرّعا مفتقرا خاضعا ، متخشّعا مطرقا ، غير ناظر إلى خلقه ، ولا تابع لهواك ، ولا طالب للأعواض دنيا وأخرى ، ولا ارتقاء إلى المنازل العالية « 1 » والمقامات الشّريفة . واقطع بأنّك عبده ، والعبد وما ملك لمولاه ، لا يستحقّ عليه شيئا من الأشياء . وأحسن « 2 » الأدب ولا تتّهم مولاك ، ف وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ [ الرعد : 8 ] ، لا مقدّم لما أخّر ، ولا مؤخّر لما قدّم ، يأتيك ما قدّر لك عند وقته وأجله إن شئت أو أبيت . لا تشره على ما سيكون لك ، ولا تطلب وتتلهّف « 3 » على ما هو لغيرك ، فما ليس هو عندك لا يخلو : إمّا أن يكون لك ، أو لغيرك . فإن كان لك فهو إليك صائر وأنت إليه مقاد ومسيّر ، فاللّقاء عن قريب حاصل . وما ليس لك فأنت عنه مصروف ، وهو عنك مولّ ، فأنّى لكما التّلاق ، فاشتغل بإحسان الأدب فيما أنت بصدده من طاعة مولاك عزّ وجلّ في وقتك الحاضر ، ولا ترفع رأسك ولا تمل عنقك إلى ما سواه . قال اللّه تعالى : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى [ طه : 131 ] . فقد نهاك اللّه عزّ وجلّ عن الالتفات إلى غير ما أقامك فيه ورزقك من طاعته وأعطاك من قسمه ورزقه وفضله . ونبّهك : أنّ ما سوى ذلك فتنة افتتنهم به .

--> ( 1 ) في نسخة : ( العليا ) . ( 2 ) في نسخة : ( أحسن ) . ( 3 ) في المطبوع : ( وتلهف ) .